السيد محمد باقر الصدر

507

أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )

هذا الرجل الذي عاش مع جهاد أمير المؤمنين ، هذا الرجل الذي كان يعي مدلول حرب صفّين « 1 » ، وكان يدرك بأنّ الإمام عليّاً في حرب صفّين يمثّل رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) في غزوة بدر . ولكنّ الدنيا ، ولكنّ الانهيار النفسي ، ولكنّ النَّفَسَ القصير خَنَقَه في النهاية ، فذاب وتميّع ، واشتدّ تميّعه بالتدريج ، إلى أن وصل إلى حدٍّ أنّ عبيدالله‌بن زياد يبعث عليه ليقاتل الحسين ابن رسول الله ، فماذا يكون العذر ؟ ماذا يكون الجواب ؟ لا يملك أن يعتذر بعذرٍ من الأعذار إلّا أن يقول : « أنا مريض » ؛ يعتذر بأنّه مريض ، كلمة باردة جدّاً على مستوى بروده النفسي . عبيد الله بن زياد يبعث إليه الرسول مرّة أخرى ، يقول : « المسألة حدّيّة ، لا مرض في هذه الحالة ، إمّا أن تكون معنا ، وإمّا أن تكون عدوّنا » . بمجرّد أن يتلقّى هذه الرسالة ويعرف أنّ المسألة حدّيّة يقوم شبث‌بن‌ربعي يلبس ما كان يلبسه ، ثمّ يخرج متّجهاً إلى عبيد الله بن زياد وهو يقول : « لبّيك » « 2 » . هذه الاستجابات من هذا الطرف وذاك البرود وتلك السلبيّة من ذلك الطرف هو أكبر دليل على هذا المرض .

--> ( 1 ) وقعة صفّين : 294 ؛ أنساب الأشراف 340 : 2 . ( 2 ) « أمّا شبث فاعتلّ بمرض ، فقال له ابن زياد : أتتمارض ؟ إن كنت في طاعتنا فأخرج إلى قتال عدوّنا ، فلمّا سمع شبث ذلك خرج » الأخبار الطوال : 254 ؛ الفتوح 89 : 5 . وكان شبث قد استجاب قبل ذلك لطلب ابن زياد في تفريق الناس عن مسلم بن عقيل ، فراجع : تاريخ الأمم والملوك ( الطبري ) 369 : 5 - 370 ؛ الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد 52 : 2 - 53 ؛ مقتل الحسين ( عليه السلام ) ( الخوارزمي ) 298 : 1 .